تحل اليوم ذكرى رحيل الإمام الأكبر جاد الحق علي جاد الحق، أحد أبرز شيوخ الأزهر الشريف في العصر الحديث، والذي عُرف بمواقفه القوية في الدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية وتمسكه بثوابت الدين، حيث ظل صوته حاضرًا في العديد من القضايا الدينية والسياسية طوال سنوات توليه المسؤولية.
وُلد الشيخ جاد الحق في 5 أبريل عام 1917 بقرية بطرة التابعة لمركز طلخا بمحافظة الدقهلية، ونشأ في أسرة عُرفت بالتدين والاستقامة، ما انعكس على شخصيته منذ الصغر، إذ حفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية وتلقى تعليمه الأزهري مبكرًا، قبل أن يلتحق بالمعهد الأحمدي في طنطا ويواصل دراسته حتى تخرجه في كلية الشريعة والقانون.
وبدأ الإمام الراحل مسيرته المهنية في العمل القضائي بالمحاكم الشرعية، ثم تدرج في عدد من المناصب المهمة، حيث عُيّن أمينًا للفتوى في دار الإفتاء، ثم قاضيًا ورئيسًا للمحكمة، قبل أن يتولى منصب مفتي الديار المصرية عام 1978، وبعدها تم اختياره وزيرًا للأوقاف في عام 1982، ثم شيخًا للأزهر في العام نفسه ليصبح الإمام الثاني والأربعين للأزهر الشريف.
وخلال مسيرته، عُرف الإمام الراحل بمواقفه الحاسمة في الدفاع عن قضايا المسلمين حول العالم، خاصة ما يتعلق بحقوق الأقليات الإسلامية، إذ كان من أبرز الأصوات التي دافعت عن مسلمي البوسنة والهرسك خلال الحرب هناك، ودعا إلى دعمهم ماديًا ومعنويًا، كما تبنى العديد من المبادرات الإنسانية والإغاثية لنصرة المسلمين في مناطق الصراع.
كما أولى اهتمامًا كبيرًا بالقضية الفلسطينية، مؤكدًا في أكثر من مناسبة أن القدس ستظل عربية إسلامية، ورفض التطبيع مع إسرائيل في ظل استمرار احتلال الأراضي العربية، كما أدان الانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
وعلى صعيد القضايا الفكرية والدينية، كان للإمام جاد الحق دور بارز في مواجهة بعض الطروحات التي رأى أنها تتعارض مع تعاليم الإسلام، ومن بينها موقفه من وثيقة مؤتمر السكان والتنمية الذي عقد بالقاهرة عام 1994، حيث أصدر بيانًا واضحًا يرفض البنود التي اعتبرها مخالفة للشريعة الإسلامية.
وشهد الأزهر الشريف في عهده توسعًا كبيرًا في إنشاء المعاهد الأزهرية داخل مصر وخارجها، إلى جانب زيادة أعداد الطلاب الوافدين للدراسة في الأزهر، ما ساهم في تعزيز دوره العالمي في نشر العلوم الإسلامية الوسطية.
وترك الإمام الراحل عددًا من المؤلفات والبحوث الفقهية التي تناولت قضايا معاصرة، من أبرزها كتاب «مع القرآن الكريم» و«النبي في القرآن» و«الفقه الإسلامي مرونته وتطوره»، إلى جانب مجموعة من الفتاوى التي جُمعت في عدة مجلدات.
وتوفي الشيخ جاد الحق قبيل فجر يوم الجمعة عام 1996، بعد مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والدعوي، حيث نعاه عدد كبير من العلماء والشخصيات الدينية، ومن بينهم الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي أمّ صلاة الجنازة عليه، مؤكدًا أن الأمة فقدت عالمًا كبيرًا ترك بصمة بارزة في تاريخ الأزهر والدعوة الإسلامية.



