في إطار دورها التوعوي والثقافي، نظّمت دار الإفتاء المصرية ندوة فكرية موسعة بعنوان «صيانة الوعي بين الثقافة والإعلام والنشر»، وذلك ضمن فعاليات برنامجها الثقافي بجناحها في معرض القاهرة الدولي للكتاب، بهدف تعزيز الوعي المجتمعي وبناء إدراك رشيد قادر على التعامل مع تحديات العصر وتسارع التحولات المعرفية.
وشارك في الندوة الشيخ عمر سالم باجخيف، عضو الاتحاد العام للناشرين العرب ومؤسس دار المنهاج، والدكتور مصطفى عبد الكريم، مدير البوابة الإلكترونية بدار الإفتاء المصرية، فيما أدار اللقاء الأستاذ الدكتور جودة بركات، أستاذ اللغة الألمانية بكلية اللغات والترجمة جامعة الأزهر، بحضور عدد من المفكرين والإعلاميين ورواد المعرض، من بينهم الدكتور سعد المطعني، كبير المذيعين بإذاعة القرآن الكريم.
وأكد المشاركون خلال الندوة أن الثقافة والإعلام يمثلان ركيزتين أساسيتين في حماية الوعي الجمعي، مشددين على ضرورة التكامل بينهما لترسيخ قيم الانتماء، وبناء وعي نقدي متوازن يواكب التغيرات المتسارعة في الفضاء الرقمي.
وفي كلمته، وجّه الشيخ عمر سالم الشكر لدار الإفتاء المصرية على دورها العلمي والفكري الممتد، موضحًا أن الوعي يبدأ من الفرد الذي يجب أن يكون واعيًا بما يسمع ويرى ويقول، مؤكدًا أن تشكيل الوعي الصحيح ينبغي أن ينطلق من القرآن الكريم والسنة النبوية وسير الصحابة والسلف الصالح، باعتبارها الأساس الذي تُبنى عليه هوية المسلم وفكره. كما حذّر من التأثير المتزايد للإعلام الحديث، لافتًا إلى خطورة الإفراط في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة لدى الأطفال، في ظل تصاعد دور الذكاء الاصطناعي وتأثيره على السلوك الإنساني.
وأشار الشيخ عمر سالم إلى أهمية العودة للكتاب المطبوع بوصفه مصدرًا آمنًا وموثوقًا للمعرفة، مؤكدًا أن الكتب التراثية وما يرتبط بها من علوم اللغة والتفسير ستظل خط الدفاع الأول أمام موجات التضليل والمعلومات الزائفة في العصر الرقمي.
من جانبه، أوضح الدكتور مصطفى عبد الكريم أن الوعي يتجاوز امتلاك المعلومة إلى القدرة على توظيفها وتنزيلها في سياقها الصحيح، مؤكدًا أن كثرة المعلومات دون عقل نقدي منظم قد تتحول إلى عبء بدلًا من أن تكون ميزة. وأشار إلى أن التعامل مع النصوص الشرعية يتطلب فهم الواقع ومراعاة اختلاف الأحوال والأشخاص، وهو ما يفسر تنوع الفتاوى واختلافها باختلاف السياقات.
كما حذّر عبد الكريم من خطورة السيولة المعلوماتية التي نعيشها اليوم، حيث بات كل فرد يمتلك وسيلة إعلامية خاصة، مشددًا على أهمية التثبت والتمييز بين الأخبار، مستشهدًا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تحث على التبين وعدم الانسياق خلف كل ما يُنشر أو يُتداول.
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور جودة بركات، مدير الندوة، أن الوعي مشروع ممتد عبر الأجيال، وليس جهدًا فرديًا عابرًا، داعيًا إلى وضع خطط عملية لتوجيه الأطفال والنشء بما يتناسب مع طبيعة العصر، ومشيرًا إلى أهمية التربية الإعلامية في تمكين الفرد من التمييز بين الحق والزيف.
بدوره، أوضح الدكتور سعد المطعني أن الثقافة والإعلام والنشر تمثل روافد أساسية لصناعة الوعي، محذرًا من خطورة المحتوى غير المنضبط المنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومطالبًا بضرورة إعداد جيل واعٍ قادر على التمييز والنقد، مع الاهتمام بتعليم اللغة العربية بوصفها أساس الفهم وبناء الوعي الديني والثقافي.
وتأتي مشاركة دار الإفتاء المصرية بجناحها في معرض القاهرة الدولي للكتاب تأكيدًا لدورها المؤسسي في بناء الوعي الرشيد، وترسيخ خطاب ديني وفكري متوازن يجمع بين ثوابت الدين ومتغيرات الواقع، ويسهم في حماية المجتمع من التضليل والتشويه.



